أحمد بن الحسين النائب الأنصاري
28
نفحات النسرين والريحان فيمن كان بطرابلس من الأعيان
طرابلس من نهاية الغزوة الهلالية إلى دخولها في طاعة الموحدين في هذه الحالة من الضعف كان يحكم طرابلس يحيى بن مطروح وهو من سلالة بنى خزرون الزناتيين ولكنه يعد نفسه دولة قائمة بذاتها وخلفه على ولايتها ابنه رافع بن يحيى ابن مطروح ، وكان رجلا عاقلا يسوس أمور البلاد بالحكمة ولم يكن يملك من القوة ما يمكن له أكثر من إقرار الأمن يعاونه في ذلك القاضي ومجلس الشورى من عشرة من مشايخ البلد وكان أقصى جهد هؤلاء هو حماية البلد من عربان الداخل الذين كانوا لا يكفّون عن الغارة ونهب ما قدروا عليه وهذا دأبهم . وتطلعت أنظار النورمان إلى طرابلس وكان يتولى صقلية رجار الأول ثم خلفه ابنه رجار الثاني الذي يسميه العرب أحيانا لجار وكان رجلا معتدلا ترك من بقي في صقلية من المسلمين يحيون حياتهم لكي يستفيد من ملكاتهم ومواهبهم ، وكانت صقلية قد سقطت نهائيّا في يد النورمان سنة 484 ه / 1091 م ، في حين أن رجار الثاني ولى صقلية نائبا عن أبيه رجار الأول سنة 494 ه / 1101 م ثم خلف أباه عليها ملكا لها سنة 525 ه / 1131 م وظل يحكمها حتى 11 ذي الحجة 548 ه / فبراير 1154 م فخلفه ابنه جيوم الأول المعروف عند المسلمين بغليام الأول وظل يحكمها حتى 561 ه / 1166 م . وكان من الطبيعي أن يغرى ضعف ميناء طرابلس رجلا مثل رجار الثاني بمحاولة غزوها ، فهي ميناء هام جدّا في البحر المتوسط ، وقد شجع رجار على ذلك أن قائد الأسطول النورمانى كان رجلا يسمى جرجى بن ميخائيل الأنطاكي وكان نصرانيّا مستعربا من أهل أنطاكية برع في فنون البحر ولجأ إلى إفريقية فاستخدمه تميم بن المعز في قيادة أسطوله ، فلما توفى تميم وسادت الفوضى شؤون إفريقية نتيجة للغزوة الهلالية انتقل جرجى بن ميخائيل الأنطاكي إلى صقلية ودخل في خدمة رجار الثاني وجعل دأبه تحريضه على غزو شواطئ إفريقية وشجعه على العدوان على طرابلس ما فعله مكي بن كامل الدهمانى